السبت، 24 يناير، 2015

الاقتصادي نور الدين العوفي: عضو مجموعة العشرين.


 
 
الاقتصادي نور الدين العوفي: عضو مجموعة العشرين.
إلياس بلكا

  هل حان وقت كتابة تاريخ الفكر الاقتصادي بالمغرب؟ لست خبيرا بالاقتصاد وعلومه، وإن كنت في الوقت نفسه لستُ متطفلا  إلاّ جزئيا على هذا المجال، فقد درست بعض علوم الاقتصاد بالإجازتين اللتين حصلت عليها: الدراسات الإسلامية، والعلاقات الدولية.. ناهيك عن أن الاشتغال بالفقه الإسلامي يقرّب الدارس من بعض قضايا المال والاقتصاد.
وظني أن الجواب: نعم، يجب المسارعة بهذا التأريخ. لقد أصبح عندنا بعد الاستقلال، حتى لا نذهب في الزمن أبعد، كوكبة من علماء الاقتصاد في فروع شتى، خاصة في الاقتصاد السياسي والمالية والتجارة الخارجية والمقاولات الوسطى والصغرى.. أقدّر عددهم بالعشرين. يكفي أن نستحضر أسماء: عزيز بلال، ومحمد الحبابي القيادي المؤسس في حزب الاتحاد الاشتراكي (وهو غير المرحوم محمد عزيز الحبابي صاحب كتاب الشخصانية الإسلامية)، وفتح الله لعلو، وعبد العالي بنعمور، والحبيب المالكي، وإدريس بنعلي، وعمر الكتاني.. وهو جيل ولد أكثره في عقد الأربعينيات.. بعضه كتب بغزارة وبعضه بندرة. كما توجد عشرات الأعمال لباحثين اقتصاديين غير مشهورين كهؤلاء، وكثير منها غير منشور، وكثير منها أسير بعض جامعات فرنسا. لكن من المجموع يتحصّل تراث لا بأس به من الأطاريح والمقالات والندوات والمداخلات باللغتين الفرنسية ثم العربية.. بحيث من المشروع أن نتكلم عن تراكم معرفي تحقق في الاقتصاد لمدة نصف قرن.
لا يتعلق الأمر بمجرد التأريخ، بل قبل ذلك بالاستفادة من جهود هؤلاء وغيرهم في تطوير نموذج اقتصادي، على المستويين النظري والعملي، يحقق المعادلة الصعبة والضرورية: كيف يكون عندنا اقتصاد عصري و"متطور"، يحقق حياة اقتصادية تضمن العيش الكريم للأفراد والمجتمعات، في إطار من المذهبية الإسلامية العامة في الحياة؟ ولعل من شروط تأسيس علم اقتصاد مستقل، ولنسمه عربيا أو إسلاميا أو ثالثا، أن يكون باللغة العربية حتى يخرج من هذا الدوران في الفلك الغربي، وأيضا لكي يصبح الفكر الاقتصادي متاحا لأوسع طبقة من القراء. وقد أثبت رواد الاقتصاد المغاربة، ومنهم صاحبنا، امتلاكا جيدا لناصية اللغة العربية، وإن كنت لا أعرف حال أجيال اليوم من الاقتصاديين من هذه الناحية.
أحد هؤلاء الاقتصاديين الأوائل الذين يجب على الأجيال الشابة أن تلتفت إليهم وتستوعب تجاربهم ورؤاهم واجتهاداتهم.. هو: الدكتور نور الدين العوفي.
درس نور الدين بجامعة الرباط بكلية الاقتصاد، وبها نال الدكتوراه، وبها درّس أيضا. وهو الآن عضو إدارة الجمعية المغربية للعلوم الاقتصادية، ومدير مجلة "النهضة" التي تصدر بالمغرب.
ولعلّ الكتاب الذي عُـرف به نور الدين أكثر وسط الجمهور الأوسع من القراء، هو: "الاقتصاد المحشود.  أو الامبريالية في زمن رامبو." لكن اهتمامات الأستاذ متنوعة، وإن كان له تركيز خاص على الاقتصاد المغربي. وكان ثمرة ذلك مجموعة من الكتب والمقالات المستقلة. كما نسّق عددا من المؤلفات والندوات المتخصصة وأشرف عليها وساهم بالكتابة فيها، وأنجز أيضا عددا من التقارير المقدمة لمؤسسات حكومية و أممية وأهلية. من ذلك:
1- اقتصاد المؤسسات: الفلاحة المغربية وتحدي تحرير القطاع.
2- تنظيم العمل، خاصة في مجال الصناعة بالمغرب: بطالة الشباب. العنف في علاقات العمل. نظام الأجور. المقاولة الصناعية وتركيباتها الاجتماعية.
3- التنمية وإشكالاتها: كعلاقتها بالموارد البشرية بالمغرب. مشكلة عدم التمدرس بالمغرب. عن حماية الطفولة. المؤشرات الاقتصادية للحكامة الديموقراطية بالمغرب. المغرب التضامني.
4- نظرية الضبط: La théorie de la régulation
وفي تقديري فإن الأستاذ نور الدين واحد ممّا يمكن لي تسميته بـــ: "مجموعة العشرين"، وأعني بهم الذين أسسوا وطوّروا الدرس الاقتصادي والفكر الاقتصادي بالمغرب بعد الاستقلال. وهي المجموعة التي تضم أساسا الأسماء التي ذكرتها في بداية المقال، وربما أعود للحديث عنها في المستقبل.
للأسف أن الدولة المغربية ومؤسساتها لم تستفد من الأستاذ نور الدين جيدا. فهو نموذج لفئة من موظفي الدولة وأساتذة الجامعات عندهم كفاءة حقيقية، وفيهم عفة وحياء، يشتغلون بصمت وصدق، ولا ينتظرون من أحد جزاء ولا شكورا.. لا يُـزاحمون ولا يتسلّقون ولا يتملقون، بل هم لكرامتهم حافظون، وعلى ما يعنيهم عاكفون.. وقد كان يجدر بالدولة وبالمؤسسات المدنية أن تنتبه لهذه الفئة وتحاول الاستفادة من كفاءاتها وإخلاصها..
لا ينبغي أبدا التفريط في هذه الخبرات الضرورية لتحقيق الإقلاع الحضاري. وجيل الأستاذ نور الدين اشتغل تقريبا على الإشكالات نفسها التي تشغل بالنا اليوم، وطرح أسئلة النهضة والاستقلال نفسها.. ولا يزال. لذلك أتمنى على طلبة الأستاذ نور الدين، وهم اليوم بالمئات وبعضهم يشغل مراكز  مرموقة، أن ينظموا ندوة تكريمية وأكاديمية تجول في أعمال الأستاذ نور الدين وتُخرج زبدتها وتقدمها للأجيال الجديدة.. كما أتمنى أيضا أن يقوم بعض الشباب بتسجيل أطروحة دكتوراه عن أعمال الأستاذ وآرائه وترجمة بعضها.
ولا يشكر الله من لا يشكر الناس، كما قال نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام.

 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق