الثلاثاء، 9 أكتوبر، 2012

الأستاذ همام يحيى يقدم قراءة في كتابي "الغيب والعقل".. الجزء الأول.



الجزء الأول من قراءة في كتاب "الغيب والعقل .. دراسة في حدود المعرفة البشرية" لـ:  إلياس بلكا، ضيف الملتقى ..
أعد القراءة : همام يحيى .
.

     يمكن وصف هذا الكتاب القيم بأنه "قول إسلامي إزاء ما بعد الحداثة" .. فإذا كانت الحداثة في أحد تمثلاتها المهمة تعني مركزية العقل واستقلاله بالمعرفة ، وإذا كانت "ما بعد الحداثة" في أحد تجلياتها البارزة تنطوي على إعادة النظر في هذه المركزية والشك في مطلقية أحكام العقل ومحاولة تبيان حدوده ، فإن الكتاب محاولة لبلورة قول إسلامي إزاء مسألة محدودية العقل وما يتصل بها.
  1. يتناول الفصل الأول مسألة حدود العقل في الفكر الغربي ، ولذا فالمؤلف يخصص اهتمامه للفلاسفة والمفكرين الغربيين الذين وقفوا موقفا متشككا إزاء قدرات العقل ومركزيته. ففي بداية الفصل يتجاوز المؤلف السردية التقليدية حول الفلسفة اليونانية ، والتي تراها بصفتها "المعجزة اليونانية العقلية" ، والتي تختزل تاريخ هذه الفلسفة في الثلاثة الكبار – سقراط وأفلاطون وأرسطو- وتقدم الرؤى الأخرى المخالفة لهؤلاء الثلاثة على أنها تشغيبات مآلها السفسطة أو الشكية العدمية .. يتجاوز المؤلف ذلك كله ويقدم حكما جريئا يرى بموجبه الفلاسفة الثلاثة الكبار توكيديين أو دوغمائيين ، ويشير إلى خطأ قراءة الفلسفة اليونانية على أنها هؤلاء الثلاثة أو السفسطة ، مسلطا الضوء على المذهب الشكي الارتيابي ، ممثلا بالفيلسوفين بيرون وتلميذه تيمون، معيدا الاعتبار لهذا المذهب ، ومتخذا موقفا جريئا باعتبار هذا المذهب متقاطعا مع الرؤية الإسلامية أكثر من غيره.

    إذن ، فتجاوز الفلاسفة الثلاثة الكبار لا يعني السقوط في فخ مقابلهم التقليدي: السفسطائيين .. فهناك المذهب الشكي أو الارتيابي ، الذي يقدم المؤلف تفريقا مهما بينه وبين السفسطة .. فصحيح أن المذهبين يشتركان في نسبية الحقيقة ، إلا أن مفهوم نسبية الحقيقية السفسطائي يعني أن الإنسان هو المعيار (ما أراه حقا فهو حق) أما نسبية الحقيقة عند الشكيين فهي تعني التوقف عن الحكم والقول بالعجز عن إدراك الحقيقة دون اتخاذ الإنسان لنفسه معيارا عليها.

    ثم ينتقل المؤلف إلى عرض مراحل تطور المذهب الشكي ورموزه ، مبرزا بعض حججهم المعتبرة والتي يمكن اعتبارها اليوم ذات راهنية ووزن في المنطق الحديث.

    ثم يقفز المؤلف إلى عصر النهضة الأوروبية ، عارضا لأراء "مونتيني" في محدودية العقل ، وعجزه عن الإحاطة بموضوعات مثل الألوهية ، وتعدد التجارب وتنوعها إلى درجة تجعلنا إزاء عقول كثيرة لا عقل واحد.

    ثم يشير إلى المذهب الاسمي ورائده أوكام ، باعتباره من المذاهب التي قالت بمحدودية العقل ، ورأت أن العبارات الدالة على الكليات (جنس ، لون ، حيوان) إن هي إلا مفاهيم ذهنية لا وجود خارجيا لها ، وانتهى بالتالي إلى إبطال الميتافيزيقا (أو بالأحرى إبطال خوض العقل في الميتافيزيقا) ، واعتبر قضايا الألوهية وما يتصل بها موضوعا للإيمان والاعتقاد لا النظر العقلي.

    ثم يصل المؤلف إلى ديكارت ومذهبه في الشك ، وبين كيف أن الشك عند ديكارت خطة تكتيكية ، فهو وإن بدأ جذريا في شكه إلى درجة إنكار الوجود الخارجي (وهو ما لم يصل إليه الشكاك الأقدمون) ، إلا أنه انتهى إلى إعادة الاعتبار للعقل ربما فوق ما يستحقه. حيث انتهى إلى القول بوجود ملكتين في الإنسان ، ملكة الحكم: وهي قوة عقلية لا تخطئ ، والإرادة ، وهي مصدر الخطأ والخلل .. غير أن كتاباته لم تخل من التنبيه إلى بعض أوجه قصور العقل ومحدوديته.

    أما "باسكال" فقد رفض فلسفة ديكارت وادعاء الإحاطة بمبادئ قبلية تفسر كل شيء ، وقال إن وجود الله وخلود الروح كلها لا يفهمها العقل المحض وهي عنده احتمالات متساوية ، ورفض بالتالي الاستدلال العقلي على وجود الله ، فوحده القلب المخلص مسترشدا بالوحي يمكنه الوصول إليه ، فحسب باسكال : للقلب منطقه الذي لا يدركه العقل.

    يصل بنا المؤلف إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ، الذي يعتبر خطوة مهمة على طريق الفكر الغربي في نقض اختصاص العقل بالنظر في الميتافيزيقا .. حيث رفض فكرة "الجوهر" وقال إنها من تركيب الذهن ، وقال إننا لا نعرف عن حقيقة المادة أكثر مما نعرف عن حقيقة الروح، وبذا يكون لوك من المنظرين الغربيين المهمين لمحدودية العقل وترتيب موضعه في منظومة المعرفة .. وله آراء تتقاطع كثيرا مع الإسلاميين في مكانة العقل والوحي ، حيث يقدم الوحي فيما لا اطلاع للعقل عليه كالآخرة ، ويقدم الوحي فيما يجوزه العقل حتى ولو كان الأضعف احتمالا ، ولم يفت لوك أن يشير إشارة رشدية إلى أن الكمال الإلهي يقتضي أن يوافق الوحي صحيح العقل ، فاضطرابهما يتنافى مع كمال الله.

    أما فلاسفة الأنوار ، فيميز المؤلف بين موقفهم الفلسفي في العقل ، الذي يعتبره محدودا عاجزا عن حل إشكالات مثل طبيعة الروح ومشكلة الحرية ، وموقفهم السجالي في العقل ، الذي يجعل من العقل مطلقا قادرا على الوصول للحقيقة فيما يتعلق بالسجالات الاجتماعية والسياسية مع الكنيسة والخصوم الآخرين .. أي أن فلاسفة الأنوار في الواقع بنوا إيديولوجيا في العقل أكثر من كونهم انطلقوا من أرضيات فلسفية راسخة تنظم مجموع نتاجهم في العقل.

    ثم يعرج الكاتب على شكاك اسكتلندا ديفيد هيوم ، الذي يعتبر من أكثر المفكرين الغربيين حملا على ادعاء العقل الاختصاص في الميتافيزيقا .. حيث دعا المفكرين الذين يتأملون في الروح والخلود إلى الاهتمام بقضايا أبسط كالسببية في المادة (التي نفاها ورآها مما يسقطه الذهن على الواقع) .. وقد انتهى هيوم إلى إبطال الميتافيزيقا واعتبار كل ما لا تطاله التجربه أو الحسابات الرياضية غير جدير بالدرس والبحث.

    ويتوج الكاتب فصله الأول بالحديث عن "كانط" وفلسفته النقدية ، التي تعتبر من أهم فلسفات حدود العقل الغربية إن لم تكن أهمها على الإطلاق.

    يبدأ الكاتب في تحديد آلية المعرفة عند كانط ، التي تنقسم إلى :
    1- الحدوس الحسية : وهي المعطيات الكثيرة المتناثرة التي تأتي من عالم التجربة ، وتتعرض لأولى محاولات التوحيد والتأليف ، متمثلة في وضعها في إطاري الزمان والمكان. والملكة التي تقوم بهذه العملية يسميها "الحساسية".
    2- المقولات : وهي بنيات ذهنية سابقة على كل تجربة ، حيث لا يمكن إدراك التجربة إلا من خلالها، فهي شروط ذاتية للفكر ، أو قل ، هي نظارات أبدية لا يمكن أن "نرى" الواقع إلا من خلالها. والملكة التي تقوم بوضع الحدوس الحسية ضمن هذه المقولات يسميها ملكة "الذهن".
    3- المبادئ أو الأفكار العقلية ، وهي نتاج ما تقوم به ملكة "العقل" من تأليف بين المقولات وتحقيق لوحدتها ، وهذه الأفكار هي : الله ، النفس ، العالم .

    واعتمادا على ما سبق ، فقد فرق كانط بين الأشياء كما هي (في ذاتها) أو كما تبدو (لذاتها) ، وقال إن هذا التفريق نهائي ولا سبيل إلى تخطيه، لأن التجربة محدودة بالصور والمقولات ومشروطة بهما .. وانطلاقا من هذا التفريق ، خلص كانط إلى "فشل الميتافيزيقا" ، لأن الخوض فيها هو استخدام لمقولات الذهن وصوره ، التي لا تصلح إلا للتجربة ، على مشكلات خارج نطاق كل تجربة ممكنة.

    فالميتافيزيقا غير ممكنة إذن ، لأن قضاياها لا تتمثل في عالم التجربة كحدوس حسية ، والعقل المحض حين يخوض في هذه القضايا ، فإنه سيصل إلى ما يسمى "النقائض" ، وهي قضايا لا يستطيع العقل أن يرجح أحد طرفيها على الآخر ، مثل قضية بداية العالم في الزمان .. فالعقل لا يستطيع ترجيح أن للعالم بداية ، ولا ترجيح أنه لا بداية له ، فهما طرفان لا يملك العقل مدخلية للبت فيهما.

    فالنتيجة إذن ، أن العقل الخالص لا يستطيع إثبات الميتافيزيقا ، لكنه كذلك لا يستطيع نفيها، فما وسيلة الإنسان للبحث فيها إذن؟

    من هنا ابتكر كانط مفهومه ل "العقل العملي" ، الذي هو بناء أخلاقي أكثر منه استدلاليا ، حيث يعتمد على بداهة الحاسة الخلقية ، وبالتالي على ضرورة وجود "الخلود" الذي تجتمع فيه الفضيلة مع جزائها ، وضرورة وجود إله يكفل هذا الاجتماع الخالد.

    إذن فالدرس الذي قدمه كانط ، هو أن على العقل ترك قياساته واستدلالاته التي قد لا تتطابق مع الواقع الفعلي ، وأن عليه الاقتصار على العمل داخل حدود التجربة الممكنة ، فالعقل يدخل في عالم من المتناقضات بمجرد تجاوز ما هو تجريبي .. ولذا فكثيرون يرون أن كانط هدم الميتافيزيقا وحول الفلسفة إلى فلسفة معرفة.
        أما الفصل الثاني فقد خصصه المؤلف للحديث عن حدود العقل في الفكر الإسلامي .. ولم تفته الإشارة إلى غزارة الإنتاج الإسلامي في الموضوع وتنوعه ، ولكنه اكتفى بالإشارة إلى ما قدمه الغزالي وابن خلدون في الموضوع.
     يعرض المؤلف لرؤية الغزالي في العقل مستعينا بعرض الغزالي لرحلته الفكرية في كتابه المعروف "المنقذ من الضلال" ، حيث ذكر الغزالي كيف أن رحلته مع الشك ابتدأت بنقد المعرفة الحسية ، حيث رأى الحواس تخدع ولا تظهر الأشياء كما هي عليه في الحقيقة ، فشك في المحسوسات. 


    1. ثم نظر في المعقولات (القواعد العقلية الضرورية) فشك فيها هي الأخرى ، لأنه رأي كيف يخيل إلى الإنسان وهو في منامه أنه في حقيقة ، ثم ما يلبث أن يكتشف أنه كان حلما .. فما المانع أن يكون وجودنا هذا وجودا متوهما بالنسبة إلى وجود آخر ، كما أن الأحلام وجود متوهم بالنسبة إلى وجودنا هذا ..

      ولما لم يبق عنده ما يثق فيه ويطمئن إليه ، قرر التعرف عن كثب على الطرق والمذاهب التي يزعم أصحابها إمكان الحقيقة والمعرفة ، وانحصرت عنده في المتكلمين والباطنية والفلاسفة والمتصوفة.

      أما المتكلمون فقد صاغ منهم الغزالي موقفا متميزا .. حيث عبر ببلاغته عن حاصل علم الكلام بقوله "فوجدته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي" ، أي أنه علم حقق المراد منه وفق قواعده ومسلماته الأولية التي ارتضاها – أي العلم- لنفسه ، وهي الذب عن الإسلام ورد شبه المشككين فيه اعتمادا على الجدل العقلي المنطقي في إثبات وجود الله وحدوث العالم ابتداء ، ثم المعجزات والوحي في إثبات قواعد الدين التالية. لكن الغزالي كان شاكا في المعقولات أصلا ، أي أن شكه يمتد إلى ما يسبق مسلمات علم الكلام وقواعده القبلية التي ينطلق منها ، ولذا لم يره وافيا بمقصوده. وهذا الشك في العقل موقف متقدم للغزالي يوافق كثيرا من النظريات المنطقية الحديثة التي لا ترى في المنطق الأرسطي منطقا كليا أو ضروريا.

      ثم اطلع الغزالي على الفلسفة ، واتخذ منها موقفا متقدما للغاية ، حين قبل منها علومها الطبيعية وعدها أمورا برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها ، وقبل العلوم المنطقية وبين طبيعتها الآلية ، أي أنها لا تتعلق بالدين نفيا أو إثباتا وإنما هي طرق في ضبط الاستدلال والقياسات ،وقبل علومها السياسية وعدها من النظر المصلحي الذي يؤخذ منه ويرد ، لكنه توقف عند كلام الفلاسفة في الإلهيات ، وميز فيه بين قضايا تخالف التصور الإسلامي جملة ، وقضايا تخالفه جزئيا ، وقضايا لا تخالفه ، وصنف كتابه الشهير "تهافت الفلاسفة" في تبيان ذلك.

      ثم درس الغزالي طريقة الباطنية ، وصنف "فضائح الباطنية " في نقد معرفتهم والرد عليها.

      ثم انتقل إلى المتصوفة ، ووجد الحق عندهم ، فقد وجدهم أهل التحقق والسلوك ، أي أهل معاينة المعاني لا مجرد الجدل بها أو إثباتها عقليا ، وهذا ينسجم مع خلاصة رؤية الغزالي في الإيمان ، حيث وصفه بأنه تحقق ب "نور قذفه الله في قلبي" .. فهو مهد لنظرية في الإيمان تتجاوز المنطق الأرسطي وطريقة علماء الكلام وتؤسس للإيمان بالله ابتداء على المعرفة الوجدانية الذوقية. فهو مؤمن "لا بدليل واحد محرر عندي ، بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر" ..

      ثم ينتقل المؤلف إلى بيان طائفة من آراء الغزالي في المعرفة ونظريتها :
      1- يرى الغزالي بوجود الأفكار القبلية الأولية ، ويعتبرها من بداهة العقل وفق ما زوده الله تعالى.
      2- يقدم الغزالي صورا متعددة للعقل ، منها العقل المنطقي الذي يعرف به الإنسان الواجبات والمستحيلات والممكنات، والعقل التجريبي الذي هو علوم تستفاد من التجارب بمجرى الأحوال ، والعقل الأخلاقي الذي هو قوة تعرف بها عواقب الأمور وتقمع الشهوة الدافعة إلى اللذة العاجلة.
      3- يقسم الغزالي المعارف إلى ضرورية ومكتسبة .. الأولى هي ما يعرفه بالبداهة كاستحالة اجتماع النقيضين ، والثانية ما يعرف بالتجربة والتعلم والاكتساب.
      4- يعتبر الغزالي النبوة طورا وراء العقل ، ويعتبر من ينكرها حاكما بالعدم على ما لم يستطع إدراكه دون امتلاكه لقوة تمكنه من رفضه. (وهذا يذكرنا بكارل بوبر الذي جعل إمكانية الدحض التجريبي للنظرية هو الكفيل بجعلها نظرية علمية يختص العقل التجريبي بالتعامل معها).
      5- يتبنى الغزالي مفهوم نسبية المعرفة ، لا في ذاتها ، وإنما في التحصيل البشري لها ، فهو مقر بوجود الحقيقة الخارجية ، لكن إدراكنا لها نسبي ، والمفارقة أنه يوظف هذا المفهوم ضد الفلاسفة ، الذين رأى تصورهم للذات الإلهية وقضايا الغيب تصورا ناتجا عن ضيق أفق معرفي ، لأنهم تصوروا الأمور على قدر ما عقلوه وعرفوه ، وما لم يألفوه قدروا استحالته.
      6- نفى الغزالي ضرورة العلاقة السببية في ذاتها ، أي أنه نفى أن يكون الارتباط بين العلة والمعلول في الطبيعة ارتباطا ضروريا من تلقاء ذاته ، بل هو ارتباط ممكن مطرد بفعل العناية الإلهية ، وهو الموقف الذي سيتخذه هيوم لاحقا ، وإن بدوافع أخرى وضمن سياق فلسفي مغاير.

      خلاصة موقف المؤلف أنه يرى الغزالي هادما للميتافيزيقا من طريق النظر التأملي المجرد ، دون أن ينفي قضاياها في ذاتها ، بل على العكس تماما ، فقد فتح لها طريقا مغايرا هو طريق المعرفة الذوقية الوجدانية المستندة إلى الوحي والمرتكزة عليه .. وهو بهذا يقارنه ب"كانط" في هدمه لاستقلال العقل في النظر الميتافيزيقي .. ويرى المؤلف أن هذا الموقف موقف حداثي بامتياز لأنه حرر العقل من أوهامه الميتافيزيقية وصرفه إلى العالم الطبيعي وإدراكه من خلال التجربة.

      وأخيرا يقف المؤلف وقفة مختصرة مع ابن خلدون ، مبينا بعض آرائه في المعرفة :

      1- يقر ابن خلدون بالوجود الموضوعي الخارجي للعالم ، وهذا شأن كل من له وزن من مفكري الإسلام.
      2- يميز ابن خلدون بين مجال الغيب الذي لا يرى فيه مدخلية للعقل مطلقا ، وبين مجال الشهادة الذي يراه ميدان العقل ومضماره.
      3- أبطل ابن خلدون الميتافيزيقا (كما فعل الغزالي) ، بل إنه قرر قصور المنطق ، لا عن الوجود الغيبي فحسب ، بل عن الوجود الطبيعي ، قائلا إن التطابق بين الأقيسة العقلية والحقيقة الخارجية غير كلي ولا نهائي.
      4- بخلاف الغزالي ، وقف ابن خلدون موقفا مستحسنا لعلم الكلام ، وإن كان موقفهما في جوهره متشابها .. فابن خلدون يرى أن الكلام يلتمس أدلة عقلية للعقائد الإيمانية بعد أن يقررها الوحي ، فهو ليس بحثا تأمليا صرفا في الميتافيزيقا ، وإنما هو بحث عقلي منطلق من الرؤية الإيمانية المستقرة .. بعبارة أخرى ، إن ابن خلدون تنبه إلى أن الكلام لا ينطلق حقيقة من البحث العقلي المنطقي المجرد على طريقة الفلاسفة، وإنما ينطلق من مسلمات إيمانية اعتقادية قبلية مستمدة من الوحي حتى ولو لم يصرح المتكلم بذلك .. وبالتالي فإن اعتراض الغزالي على انطلاق علم الكلام من المعقولات – التي شك فيها الغزالي- هو اعتراض متوجه إلى ظاهر علم الكلام كما يقدمه أصحابه ، لا إلى حقيقته كما رآها ابن خلدون .. فالكلام ، حسب ابن خلدون ، لا ينطلق من المعقولات حقيقة ، وبالتالي فاختلاف الفيلسوفين كان في تعريف كل منهما لعلم الكلام ، أما موقفهما الفكري وتوجههما النهائي فهو متشابه ويرمي إلى نفس الغاية ، ألا وهي مناهضة تأسيس الدين على النظر العقلي المجرد.

      5- وأخيرا ، يشير الكاتب إلى ريادة ابن خلدون في بعض موضوعات الباراسيكولوجي ، أو الظواهر المتجاوزة لعالم الحس، كالإخبار عن المستقبل والرؤى والتجربة الصوفية وغيرها
      .

      عن: http://www.facebook.com/multaqa.shabab2

هناك تعليق واحد: